Tuesday, May 20, 2014

خيال مريض





صغيرة!، في الثامنة عشرة!، أو ربما أكثر قليلاً، في الثانوية، أو ذلك ما تقوله المذكرات - التي مدّتها أمامها على الطاولة – فعليها شعار سنتر أطلس التعليمي، الذي يقع على الناصية المقابلة، ولكنها لا تقرأ فيهن كثيرًا، فهي مشغولة بشيء آخر، إنها – على الأغلب – تحب أجواء المكان أكثر، تحب وجود الناس حواليها، ولعلها لذلك اختارت صف المناضد الأقرب للواجهة الزجاجية المطلة على الشارع، لاحظت إنها أصغر الموجدين سنًا هنا!، أخاف كونها لا تعيش عمرها الحقيقي، فالعمر الزائف يقصم الظهر!


لا!، سأرحل بعد قليل، شكرًا


وهو، يبدو قد تجاوز الخامسة والعشرين أو ربما يكون في الثلاثين ولكنه يبدو أصغر!، جالس في صف المناضد الداخلي، غير بعيد عنها – وهو أمامي - واللاب توب مفتوحًا أمامه، وهاتفه بجواره "تنعق" سماعته بالأغاني وتدخل آذننا دون إذن!، وهو لا يفعل شيئًا سوى تصفح الفيس بوك وتويتر – أستطيع أن أميز علاماتهما الزرقاء من بعيد!
قبل قليل من الآن!، لاحظت إنها إلتفتت إليه في نظرة خاطفة – لاحظتها عفوًا – ما جعلني أكرر النظر إليهما، ماذا قد يكون اسمها!، في الحقيقية يليق بها الكثير من الأسماء، إنها ضئيلة القدَّ، وجبهتها عالية، وعيناها كبيرتان وتلمعان من خلف زجاج نظارتها، وفمها صغيرٌ جدًا!، وذقنها حاد التكوين، وشعرها لا يبدو إنها توليه اهتمامًا كبيرًا فهي تربطة في لفَّة بسيطة للخلف، "سارة!"، هذا اسم يليق بها كثيرًا، "سارة!"، جميل!، سارة الآن تنظر إليه مرة أخرى من طرف عينها، وهذه المرة أخال إنني أدرك السبب، إنها الأغاني "الناعقة"، فهذه الإلتفاتة الباسمة جاءت إثر الجملة الموسيقية الأولى!، فيبدو إنهما يملكان ذوقًا موسيقيًا واحدًا!، إنه ليس ذوقي على أي حال ولكن يبدو إن هذا يعجبها!، وهو وسيم أيضًا!، وهو ذو لحية نابتة – والآنسات الصغيرات يعجبهن هذا الشيء! – إنها يبدو عليها الآن الإصغاء لأغنيته!، إنها تنظر في المذكرات ولكنها لاتقرأ!، لعلّها الآن تتفكر في إنها وجدته أخيرًا، فتى الأحلام! – والآنسات الصغار يخطر على بالهن أمثال هذا الأمر طوال الوقت! – لعلها الآن تخيلت إنها تروي لصديقاتها القصة:

-      أحكي لنا عن اللقاء الأول!
-  كنّا في «جوستو»، لم نعرف بعضنا من قبل ولكنه كان يستمع لأغنياتي المفضلة (تبتسم) حزروا يا بنات اسم الأغنية!!
-      قولي!، قولي!
-      (تغني في صوت حالم مهموس) من نظرة لاقتني صريع الهوى
-      يااا يا بوي! (يضحكن) على رمش عيونها!
-      آه!، وطلعت الأغنية التالية: "سألتك حبيبي لوين رايحين"!
-      لا؟!!
-      ياربي!، أتصدقن هذا!

مازال الشاب يستمع للأغنية الثالثة إلى الآن، بينما نحّت "سارة" المذكرات من أمامها، وتناولت هاتفها، وكتبت بعض كلمات على عجل فيه!، إنها المرة الثانية خلال عدة دقائق التي تفعل فيها ذلك!، إنها تبتسم إثناء الكتابة – أو تكاد أن تضحك في الحقيقة فعيناها تلمعان أكثر من المعتاد! – ليس الأمر صعبًا إنها تكتب على الفيس بوك مثله أو على تويتر وتخبر صديقاتها – نعم!، أولئك اللاتي ستخبرنهن بعد زواجها منه عن اللقاء الأول! – إنها تكتب الآن عن الموقف!، لا أدري ما هي الكلمات التي استخدمتها في الوصف تمامًا، إنها كلمات موجزة، لا ريب!، ربما أتت على ذكر إنها تستمع إلى أغانيها المفضلة من سماعة هاتف شاب مجهول بالقرب منها في الكافتيريا!، لعلّها الآن تخمّن كتابةً اسم الأغنية التالية وتتمنى أن يفاجأها القدر وتكون هي التالية حقًا على قائمة أغانيه!، إنها الآن تكتب للمرة الثالثة!، ربما تكتب الآن: "أحببت كل الأغاني!، أعمل إيه دلوقت!، أقوم أشكره، ولاَّ أحضنه، ولاّ إيه!!"، تركت هاتفها أمامها على المذكرات، إنها تصغي في هدوء للأغنية التالية، وتسرق نظرة خاطفة مرة أخرى إليه، أطول قليلاً هذه المرة!، إنها الآن تتخيل شيئًا، موقفًا، ربما تخيلته سيأتي إليها:

-      سارة؟!
-      ...
-      (يضحك في ارتباك) "الحضن ديمًا يختصر نص الكلام!"
-      (تحمّر خجلاً) كيف عرفتني!
-      أنا من متابعينك على تويتر من زمان!
-      (في دهشة) وأنا أعرفك!
-      لا!، إنتِ لا تتابعين الغرباء .. مثلي
-      (في هدوء) ولماذا تابعتني في تويتر أصلاً!
-      (يهزّ كتفيه) كانت صورتك جميلة!
-      (تضحك) ولكن على فكرة .. ليس أنت المقصود بكلامي!
-      (يضغط على زر، فتعاد أغنية "سألتك حبيبي ..") لم يكن ثمّة أحد يستمع إليها غيري!

قاتل الله أحلامَ اليقظة!، إنها تتطور سريعًا وسرعان ما نفقد سيطرتنا على التداعي!، إنها لاحظت الآن إن بإمكانها مراقبته بتأنٍ أكثر من خلال إنعكاسه على زجاج الواجهة بجوارها، لعلّها تقول إن عمره مناسب لها!، لا يبدو إن ما يفصلهما أكثر من ثمانية أو تسعة أعوام!، لقد أدارت عينيها لأعلى!، لابد إن هذا هو الخاطر نفسه الذي تخيّلتُه يخطر لها!، إنها الآن تقول لنفسها إن الفارق ليس كبيرًا، إن عشر سنوات حتّى لا تضايقها!، فالجيل: عشر سنوات!، إنها تبعد عينيها عن الزجاج وتلوي رقبتها نحوه في حركة جاهدت لتبدو لا إرادية!، ربما هذه المرة تساءلت عن وظيفته!، وماذا يفعل!، "إنه: مهندس!، نعم!، يبدو إنه مهندس ما!، اتصالات!، يبدو هذا!، إنها مهنة مناسبة!"، "وسيوافق أبي عليه بالتأكيد فهو يحبني، وسيحبه كذلك ويبدو إنه متحدث بارع وسيقضيان معًا الكثير من الوقت الممتع بالتأكيد"!، "وأمي ستعترض لإني صغيرة!، ستقول له دعها تنهي دراستها أولا!"، "يا ماما!، أنا موافقة!، سأكمل دراستي ولكن دعينا نتمّ الخطوبة الآن على الأقل!، صديقتي مريم مخطوبة!، ولمياء مثلها هي أيضًا، ليس ثمة غرابة هنا!، وستمر سنوات الجامعة سريعًا ونتزوج!"، وستناكفني أمي مرة أخرى، ولكن أبي الحبيب سيقنعها بأن هذا هو الأفضل لنا، كم أحب أبي!"

الرائحة نافذة!، إنه عطر باهظ الثمن، مرّت صاحبة العطر بجانبي بحضور آسر نزعني من عالم أوهامي للحظة، إنها طويلة القامة قليلاً في توسّط، لفَّاء الجسم، شعرها منسدل في استواء تام!، تام!، يبدو التكلّف عليها في العناية بمظهرها!، سارت إليه ووضعت حقيبتها على الطاولة في الوسط، ثم سألته بلهجة لا أثر للسؤال فيها وإنما الدلال:
-      تأخرت؟!

أجابها باسمًا وهو يغلق شاشة اللاب توب المفتوحة، ويزيح حقيبتها إلى طرف الطاولة قليلا:

-      لا، أبدًا!


مايو
2014