Sunday, December 4, 2016

كتاب من الزمن الجميل


وهو كتاب صدر في الذكرى الأولى للثورة، عام 1953، وقرأته لأن لوحة الغلاف رائعة، ومن توقيعه عليها عرفت أنه الفنان زهدي:



الملك فاروق المتجهم من جانب، والرئيس محمد نجيب مع ابتسامة استخفاف من الجانب الثاني المواجه، وبين الرجلين جموع الشعب التي تنظر جميعها في غضب ووعيد إلى الملك فاروق، والتي رسمهم زهدي بمهارة في جانب الرئيس محمد نجيب مما جعل الملك فاروق - رغم زحام اللوحة - يبدو أنه بمفرده تمامًا

والفنان زهدي هو صاحب رسومات الكتاب الداخلية أيضًا، وهي رسومات رائعة للغاية، وبديعة في فن السخرية السياسية، أعجبني منها كثيرًا رسمه للملك فاروق وكأنه فأر سمين، وهو يقرض صفحات كتاب ضخم ملقي على الأرض نعرف من عنوانه أنه "الدستور"، وفي رسمه أخرى يرسمه في هيئة عم دهب وهو يجلس مستمتعًا فوق كومة كبيرة من العملات الذهبية وينثرها على نفسه، وفي أخرى يصوّره وكأنه ملك الشايب في الكوتشينة إشارة إلى لعبة القمار، وفي رسمه أخرى وقد رسم كرسي العرش أعلى الصفحة بينما الملك يتدحرج على وجهه أسفل السلالم المؤدية إليه، وفي رسمة أخرى يصوّره كتمثال ضخم منصوب في تل أبيب وعلى قاعدة التمثال نجمة داوود كبيرة، في إشارة لحادثة الأسلحة الفاسدة في حرب فلسطين

والرسومات خطوطها بديعة حقًا، وطالعت قبل قليل بعض أعماله الأخرى على الإنترنت وقرأت سيرته المنشورة، لقد كان مدرسة وحده في فن الكاريكاتير

بينما الكتاب نفسه فقد مرّ سريعًا، ويسهل توقع ما فيه جميعًا ولا سيما إنها الذكرى الأولى، ولم يكن هناك سوى محمد نجيب الوجه الطيّب للثورة، فما في هذا الكتاب كله أي ذكر ولو عرضًا لجمال عبد الناصر، فقط محمد نجيب، الأهداء له، وصورته الفوتغرافية في صفحة بمفردها جانب الإهداء:
إلى المعجزة المصرية
إلى البطل محمد نجيب
إلى الرجل الذي علق اسمه في قائمة شهداء معركة فلسطين ثم بعثه الله ليخوض معركة الوطن، فحقق على يديه نصرًا دفع ببلاده إلى الحياة

وما الظنّ بكتاب بدأ بعد هذا الإهداء بتقديم تنويه بأن هذا الكتاب الذي بين يديك:

ليس هذا الكتاب دفاعًا عن هارون الرشيد فيما نسب إليه من أن الملك السابق، فاروق، قد تشابهت حياته بحياة هارون من حيث الملذات والمباذل، ولا هو مقارنة بين حياتيهما، فقد كان هارون الرشيد يقود جيوشه بنفسه في بعض المعارك الحربية الحاسمة، وكان هارون الرشيد مشدودًا بخشية الله، وكان بكّاءً حتى لقد كان يجهش بالبكاء حتى تخضلّ لحيته بالدمع من فرط خشية الله، وكان هارون الرشيد "يتزوّج"  - المؤلف هو الذي وضع الكلمة بين علامتي تنصيص- الجواري إذا ما أعجب بإحداهن، ولكنه لا يفسق


إلى آخر هذه المقارنة التي من السهل توقع نهايتها، والتي يستطرد أيضًا فيقول أن هذا الكتاب الذي بين يديك:
وليس هذا الكتاب دفاعًا عن الشيطان، عندما اختصَّ الملك السابق بأن يعمل عنده، وأن يكون فاروق وحده من بين الناس، السكرتير الخاص للشيطان، أو مدير مكتبه

وقرأته مبتسمًا بالتأكيد، فهو من التاريخ، ومن التاريخ الغضّ الذي يُكتب عقب وقوع الحادثة مباشرة، مثل ظهور كتاب أسرار مقتل سعاد حسني، لدى باعة الصحف، بعد مرور شهر واحد على وفاتها

وقرأته مبتسمًا كذلك لأنني من المستقبل!، فالكتاب طبعته مطبعة جريدة المصري، المشهورة بمواقفها السياسية المناهضة للحكومة، وكانت تصدر بشكل اعتيادي قبل الثورة، وها هي في ذلك الكتاب تكتب عن أن الصحافة كانت تمرّ بأسوأ أيامها في عهد الملك فاروق وأنه سجن الكثير من كبار الصحفيين والأدباء دون محاكمة أو دفاع، وما إلى ذلك!، وكنت أقرأ هذه الصفحات وأنا أقول لنفسي مستغربًا: "عمّ يتحدّثون!، وما أسماء أولئك الكبار أصلاً؟!"، بل كانت الصفحات وكأنها تتنبأ بما سيحدث بعد ذلك بقليل جدًا، لا في العهد الملكي المنصرم

وزاد هذا الابتسام في الصفحات الأخيرة والجريدة تبشّر بالعهد الديموقراطي القادم الذي سيعطي لكلٍّ حقه وحريته

ثم ماذا؟

أنتم تعلمون!


اُعتقل محمد نجيب وحُدّدت إقامته القسرية بالمرج

وأُغلقت جريدة المصري عام 1954 وصودرت ممتلكاتها، لمنادتها بعودة الجيش إلى ثكناته وبدء تطبيق الديموقراطية، وهروب صاحب الجريدة إلى الخارج وصدور حكم بالسجن الغيابي عليه

واعتقل الفنان زهدي للمرة الأولى لرسوماته السياسية في أواخر الخمسينيات

وكان هذا أول وآخر كتاب سياسي يصدره مؤلف الكتاب



Friday, December 2, 2016

مس لليان تراشر: أم الأيتام المصريين






ولليان تراشر فتاة أمريكية، وبينما هي في السابعة عشر من عمرها قابلت على رصيف المحطة سيدة أمريكية أخرى، وتبادلت معها أطراف الحديث وعلمت منها أنها صاحبة ملجأ في كارولينا، وأنها تشرف فيه على العناية بمائة طفل يتيم مع ندرة الموارد المالية، فلمّا تعجبت لليان الصغيرة من ذلك، قالت لها السيدة الأمريكية ببساطة أن الله يسدّ احتياجاتها يومًا بيوم!، ثم سألتها: لمَ لا تأتين إلى الملجأ وتساعديني؟!، فقالت لها لليان: سأفكّر في الأمر!


وفعلت وصارت إليها وتعلمت الكثير منها من خياطة الملابس وإعداد الطعام والعناية بالأطفال الرضع، ثم تركتها، وذهبت إلى كلية اللاهوت لتدرس دراسة دينية، وعملت فترة مع آخرين في العمل التبشيري في الولايات الأمريكية، ولكنها كانت تريد شيئًا آخر، كانت تريد أن يستخدمها الربّ، وكانت قد خُطبت خلال ذلك إلى واعظ ديني، وذات يومٍ وبينما لم يتبق على موعد زواجها سوى أسبوعين، أحسّت وبينما هي تقرأ في الكتاب المقدس، بأن دورها الخاص أتى حينه!، وأن الرب يريد استعمالها في خدمته، وبأنه تعالى يخاطبها من خلال خطابه لسيدنا موسى عليه السلام، ويأمرها مثلما أمره بالذهاب إلى مصر لإنقاذ أهلها، فعرضت هذه المشاعر على خطيبها، ولكنه على عكسها لم ير في هذه الآيات التي تحكي قصة سيدنا موسى خطابًا وتوجيهًا من الرب إليهما للذهاب هناك، فتركته وذهبت وحدها إلى موطن رسالة موسى عليه السلام، إلى مصر، ومع أختها كذلك مثلما أرسل الله إلى هارون، وكانت قد أرادت أن تطمئنّ على استقرارها في مصر فقط، ثم تعود ، وكان ذلك عام 1910، ولكنها لما رأت نجاح أختها بعد ذلك بسنوات باعت ممتلكاتها في أمريكا وأتت للعيش معها في مصر، وماتت بعدها بعام في أسيوط، مثلها


وكانت مهمة لليان تبشيرية بحته في البداية، إلى أن وبعد ثلاثة أشهر من وصولها إلى مصر، طرق أحدهم بابها في المساء لكي يدعوها للصلاة عند رأس محتضرة فقيرة، وذهبت معه، فوجدت هذه المحتضرة في غرفة حقيرة مظلمة وخالية من الأثاث، وهي مستلقية على الأرض تلفظ أنفاسها الأخيرة، ورأت جارتها تحمل طفلتها الرضيعة ذات الأشهر الثلاثة وتحاول إرضاعها من علبة من الصفيح تحوي بعض بقايا قديمة من لبن الأم المحتضرة




وماتت الأم، وآلت الطفلة الرضيعة إليها، وجاءت فكرة الملجأ، وأحسّت بأن الله هو الذي دبّر لها مقابلتها للسيدة الأمريكية على رصيف المحطة ويوجّهها إلى العمل معها لفترة، ليهيأها بذلك للقيام بدورها هنا في تلك البلاد الغريبة، وما قامت به مس لليان فريد حقًا، وجميل للغاية، وروحاني بما لا يُصدّق!، وهذا من كتاب صغير قرأته اسمه: "رسائل من لليان" دون أن أدري بما سألاقيه وراء العنوان، حسبته رواية حتّى!، فلم أسمع بها من قبل، وكان الكتاب الذي طبعته مؤسسة لليان تراشر بأسيوط، احتفالاً باليوبيل الماسي لتأسيس الملجأ، كما هو عنوانه، أي رسائل كانت تبعثها مس لليان لأصدقائها، وهي في أسيوط، بالإنجليزية، والتي قامت بترجمة هذا الكتاب للعربية هي ابنة القس مدير المؤسسة الحالي وقت طبع الكتاب


ولم تبدأ هذه الرسائل إلا منذ عام 1927 إلى قبيل وفاتها بشهور بسيطة في عام 1961، لأن السنوات الأولى كان صعبة للغاية، وكانت قد انشأت ملجأها الأول بإيجار زهيد في أسيوط، وابتدأت في استقبال الأطفال الفقراء واليتامى، ولم يستمر الأمر سوى فترة يسيرة جدًا، فأحد الأطفال الأوائل كان مصابًا بالطاعون!، فأُحرق جميع ما في الملجأ لعدم انتشار العدوى، ومرضت مس لليان جراء ذلك وأشرفت على الموت، ولكنها عادت!، ونجحت في افتتاح الملجأ مرة أخرى، وزاد عدد الأطفال زيادة كثيرة، وإلى قبيل وفاتها وصل عدد الأطفال في الملجأ إلى حوالي 1400 طفل، واتسع الملجأ وزادت مساحته وبُنيت الكثير من المباني الجديدة لتستوعب القادمين، وكانت في كل مرة تقول أنه لم يبق في الملجأ موضع لإضافة سرير جديد، ولكنها قط لم تمتنع عن استقبال الأطفال الجدد ولم تفكّر حتى في رفض طفل واحد، وكانت الأرملة أو المطلقة تأتي بأطفالها الأربعة إلى باب الملجأ وتقول أنها لا تدري أين تذهب بهم، فتستقبلها هي وابنائها .. وتستمر الحياة في الملجأ بطريقة ما


وكان أشدّ ما تفخر به خلال رسائل فترة الثلاثينيات: أن الأطفال لم يبيتوا ليلة واحدة دون غذاء، مع أن المال كان شحيحًا للغاية، فلم تأت بشيء ذي بال من موطنها، وإنما تركت مصيرها بين يدي الله، وكانت التبرعات تصلها دائمًا بالبريد من شخصيات مختلفة ومن نساء ورجال أسيوط، ومن الكنيسة الرسولية بأمريكا، ومن الجيش الأمريكي خلال فترة الحرب العالمية، ومن رجال الدولة المصرية، ومن الملك فاروق، ومن الجميع تقريبًا، حتّى من رجل الشارع الذي تقابله خلال طريقها للسوق


كانت فقط موقنة حتى آخر لحظة من لحظات اليأس، بأن الفرج قادم، والإيمان يحقق المعجزات، وعيسى عليه الصلاة والسلام قال في الكتاب المقدس: " فالحق أقول لكم لو كان لكم ايمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا الى هناك فينتقل ولا يكون شيء غير ممكن لديكم"، ومحمد عليه الصلاة والسلام قال كذلك: "لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا"، وهذا الإيمان التام لم أره سوى في رسائل الستينيات الأخيرة، بينما في رسائل الثلاثينيات كانت هناك نغمة شك خافتة، وقلق مستمر من مسألة توفير الطعام ليوم الغد وكل غد، وتكرر فيها القول أنها حتى لا تملك ثمن طعام الغد، أي نعم الخبز سيكفي الغد، ولكن دون ذلك؟!، وكانت تسأل نفسها كل ليلة عندما تكون خزانة الملجأ خاوية، هل تذهب إلى وسط المدينة لترى كيف تدبّر احتياجات الغد، أم تنتظر قليلاً
وبعد مرور حوالي ساعة وصل البريد، وكان هناك مظروف به حوالي مبلغ 50 جنيهًا دون خطاب، وأيضًا البريد الذي وصل بعد الظهر من أمريكا كان به خمسة وخمسون جنيهًا، وعندما ذهبت إلى البنك لأصرف المبلغ أتاني صديق وأعطاني خمسة جنيهات، ثم أوقفني غريب في الشارع وأعطاني خمسين جنيهًا


وأصدق كل هذا، فشهرة هذه الملجأ وتلك السيدة وعصاميتها، كانا محطّ النظر منذ الأربعينيات، ومس لليان كانت تتحدث كثيرًا عن السنوات الصعبة الأولى التي لاقيتها عندما أتت إلى أسيوط لأوّل مرة، وعن شدة مثابرتها وقتذاك، وكانت رسائل الستينيات عامرة باليقين والامتنان، وها هي في السبعين من عمرها في بدايات الستينيات، تنظر إلى ماضيها وإلى اللحظة التي أتت فيها إلى مصر لأول مرة عام 1910 وهي في زهو العشرين، وتقول: آه لو الله رفع الستارة للحظة واحدة وأراها الواقع التي تعيش فيه حاليًا بعد خمسين سنة، وكيف أن أقصى أمانيها كانت أن يضمّ مشروع ملجأها الصغير 12 طفلاً، فترى نفسها بين 1200 طفل ينادونها جميعًا بماما لليان!


ومنذ أواخر الثلاثينيات أيضًا وإلى الأربعينيات، ظهرت نغمة غريبة، وهي اليأس من أن تكون مهمتها هنا هي مهمة إطعام الأفواه الجائعة!، فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، وكان يقلقها جدًا أنها لا ترى ثمار عملها بشكل بارز، فهي تقول أن أغلب أطفالها من البسطاء، لم تر يخرج من بينهم إلى الآن رجالاً ونساءً بارزين في مجتمعهم، أو ليكونوا حتّى رجال دين، كما أن تربية الطفل مهمة شاقة وبطيئة للغاية ومليئة بمهام لا تنتهي من إطعام وكساء وتعليم

ولكنها تذكرت حينها للعزاء قصة سمعتها قديمًا:
يذكّرني عملي بقصة الولد الصغير الذي كان يعبر الصحراء وحيدًا، وغلبه العطش وكان يحفر بيده حتى أدمت أصابعه حتى وصل إلى الماء وشرب، ثم أكمل طريقه، وكلما عطس بعد ذلك كان يحفر حتى تمزقت يداه، وأخيرًا وصل إلى الجانب الآخر، وقد بلغ منه الإعياء وتمزقت ملابسه
وبعد عدة أشهر تطلّع هذا الفتى عبر الصحراء ورأى طفلاً سعيدًا يمسك زهورًا نضرة، وكان سالكًا نفس الطريق الذي سلكها من قبل، فتعجب، وسأله كيف أنه عبرَ الصحراء القاحلة ومع ذلك يبدو منتعشًا، فأجابه الطفل الصغير: أن الطريق جميل، وتوجد به آبار صغيرة ينبع منها الماء البارد وحولها الأزهار والشجيرات والخضرة، فلم أجد أي مشقة في عبور الصحراء

فنظر الفتى إلى أصابعه المجروحة، وعلم أن معاناته هي التي جعلت الصحراء مزهرة، ولم يعرف أحد ما فعله ليشكره، ولم يسأل أحد عمّن حفرَ الآبار، ولكنّ الفتى كان يعرف، وهذا يكفيه!

ثم تضيف بعد ذكرها لهذه القصة:

لم تكن كل السنوات سنوات حفر آبار فقط، ولكن كانت هناك أيام جميلة ملأتني بالمحبة والفرح جنبًا إلى جنب مع أيام الهموم الثقيلة



وموضوع بساطة الأطفال لم يغادر بالها قط، ففي رسالة أخرى تنهيها بهذه الكلمات الشجية:
إنني متأكدة أن الله قد قبل صنيعي، ولهذا لا أشعر باليأس من العمل وسط الأولاد والبنات البسطاء، فربما يحب الله الأطفال البسطاء المخلصين أكثر من غيرهم


وتذهب فترة الأربعينيات، وتأتي الخمسينيات، وتتغيّر النغمة كثيرًا، أو على الأقل منذ أواخر الأربعينيات، فمن رسائل هذه الفترة، نرى إيمان أكثر في نتاج عملها، فمِن رسالة تقول فيها:
عندما نرى صور طفولة عظماء التاريخ لا يبدو أحدهم عظيمًا!، يقفون بثيابهم ذات الطراز القديم وبوجوههم الطفولية البريئة البسيطة، لا شيء يدل على الشخصيات العظيمة التي سيكونون عليها، بينما أجلس في الكنيسة أحاول أن أتخيّل ما سيصبح عليه الأولاد والبنات بعد 10 أو 15 عامًا، أو ماذا سيفعلون حينذاك

إلى أن تقول:
أن الله لم يطلب منا أن نأتي بنتائج، بل إن هذا عمل الله، فربما يقدر الإنسان أن ينحت تمثالاً جميلاً، ولكنّ الله وحده ينفخ في الإنسان نسمة الحياة

وفي رسالة أخرى:
أشعر الآن أنه يجب عليّ توصيل كل ما أستطيعه للأطفال، ما دمت مقتدرة، فهذا جزء مني سيعيش حتّى بعد أن أرحل .. أحاول توصيل كل ما أستطيع من الأمور الصالحة التي أعطانيها الله، من هذه الأشياء التي ستعيش من خلال الأطفال وتصل إلى أطفالهم من بعدهم
أشعر أنه خسارة كبيرة أن يموت أي شيء طيب وينتهي، خاصة وإن كان في مقدرتنا أن نجعله يعيش عن طريق توصيله للآخرين

وفي رسالة أخرى في أوائل 1958:
أتمنى لو أستطيع تقديم تقارير مشجّعة، ولكن عملنا يختلف عن أغلب الأعمال الأخرى، إنه يستغرق حياة بأكملها لنرى أحد الأطفال يكبر ويصبح مهمًا، لو أتيح له أن يعيش، ولكنّي أعرف أنهم في يوم من الأيام سيصبحون ضمن رجال وسيدات مصر الذين يتحلّون بالمبادئ والقيم التي علمتهم إياها، فقد تُتلف الكتب وتُحرق الأوراق أو تُفقد، ولكن البذار المزروعة في قلب طفلٍ تبقى كامنة لسنوات عديدة، ثم فجأة تبزغ منها الحياة، قد ينسى الطفل مَن زرع البذار، وينسى الأسماء والأماكن والناس، ولكن الله لا ينساها

وأخرى في أواخر ذلك العام نفسه:

إن ملجأنا وهو الوحيد الذي أعرف عنه الذي يقبل أي عدد من الأطفال الصغار، ويقدم لهم بيتًا أيضًا، الذي يضعف الأمل بدونه في أن يصبح هؤلاء الأطفال رجالاً وسيدات صالحين، إنها مسئولية كبيرة تقع على عاتق الملجأ، فلو أننا لا نقبل هؤلاء الأطفال فقد لا تنفتح أمامهم أبواب أخرى، إن حياتهم هنا غاية في البساطة، ولكن ربما يكون هذا في حدّ ذاته أفضل ما بوسعنا تقديمه

وهذه الكلمة الأخيرة بليغة وفي غاية الرضا، ثم تأتي رسائل الستينيات القليلة، فهي توفّت في ديسمبر 1961، وتحمل رسالة بعثت بها في أغسطس 1961، المعنى النهائي التي رأت فيه حياتها على ما هي عليه، فتقول:
ربما سمعتم قصة المرسل البسيط غير الناجح الذي قضى عمره كله في الحقل الرسولي ولم يخلص على يديه سوى ولد صغير، ثم خلص الرب أهل الجزيرة بأكملها على يد هذا الولد الصغير
ومساء أمس وبينما أنا أحصي عدد القسوس الذين تخرجوا من الملجأ، شعرت بشيء من اليأس، فتذكرت وأنا بالطائرة فوق مدينة سانت لويس، ذات ليلة، وقد نظرت من النافذة إلى أسفل تلك الأنوار التي تسطع من آلاف المنازل الصغيرة وتحوّل المدينة إلى جنّة، بأنها حقًا ليست سوى منارات صغيرة – لا كبيرة – فتذكرت على الأثر مئات الصغار من أبنائي وبناتي الذي لجأوا إليّ في سن الرضاعة، والذين قُدّمَ لهم الغذاء والكساء يومًا بيوم، فكبروا وتزوجوا وأضاءوا مثل شموع صغيرة في قرى مصر، وها هم اليوم يربّون أبناءهم الصغار، وما تعلّموه في تلك السنوات في الملجأ، سيتعلمه أبناؤهم وأحفادهم
وأتخيّل الله وهو ينظر إلى مصر – في ليلة مظلمة – ويرى ما لا أستطيع أنا أو أنت أن يروه، أضواءً صغيرة تضيء في مئات القرى المصرية، وهذا الضوء الصغير قد لا يكون سوى منزل متواضع تسكن فيه إحدى خريجات المؤسسة أو أحد الخريجين، يقرأ الكتاب ويخبر بقصة إعالة الرب وإرساله الطعام في اللحظة الأخيرة

..


ورغم أن هذا الكتاب الصغير لم يضم سوى هذه الرسائل، غير إنني أعجبت به كثيرًا، وأحببت هذا الجوّ المثالي فيه، والتفاني في أداء الرسالة، والتفكير البسيط في أن حل أي مشكلة لا يكون بالتخلى عنها والاستسلام، ففي أكثر سنوات اليأس لم يكن هناك أدنى تفكير لدى لليان بأن تتوقف عن استقبال الأطفال الجدد، لأنها كانت ترى أن مجرد رفضها لاستقبال أي طفل جديد هو بمثابة جحود لما رزقها الله به من قبل في أحلك المواقف ظلمة وعدمًا .. وفي اللحظات الأخيرة!، فما دامت قد آمنت به من قبل وانتظرت الفرج على يديه، فلماذا تقنط من استقبال طفل جديد آخر رغم أن المكان بدأ يفيض بما فيه؟!، وكانت على صواب

Miss Trasher, what is the secret of your missionary success? What is the greatest thing you ever did?
There isn’t any secret,” Lillian answered quickly. “I just stayed! I did not quit. I stayed with the work God gave me to do.

وأنهيتُ الكتاب مبتسمًا، وأبى هذا الكتاب الصغير إلا أن يفاجئني أكثر، فكانت في الصفحات الأخيرة الهامشية صور من رسائل كتبها بعض من زاروا الملجأ بأسيوط أو سمع به، منها رسالة جمال عبد الناصر التي يقول فيها لها أن عملها من الأيتام يقدّره كل مواطن في هذا البلد، ومنها رسالة محمد نجيب، الذي افتتحها قائلاً:
لم يسعدني شيء بقدر ما شاهدته اليوم، حتى خُيّلَ لي أني أحلم بجنة الإنسانية التي أتخيلها دائمًا حتى رأيتها اليوم حقيقة واقعة، فالعناية بالضعفاء من أطفال وأيتام وعجزة، بنين وبنات رجالاً ونساءً، تتجلّى هنا بكل ما في معاني الإنسانية الصحيحة من قوة.

ومنها رسالة من عزيز أباظة، والتي هي أكثر ما فاجئني، رسالة طويلة جميلة يكبر فيها الجهد الذي تبذله مس ليليان، "إنه جهد أرفع وأروع مما يتصور الإنسان"، ثم يعزو سبب هذا النجاح الباهر الذي بهره إلى أمور ثلاثة: الإيمان، والإخلاص، والمثابرة
ويزيّل رسالته بقوله:
أخلص تهانئي لمس ليليان وجميع معاونيها وبناتها وأبنائها، وهم مئات ومئات

..



ويتبقّى شيء، فعندما ماتت مس لليان،كان عدد أطفال الملجأ يناهز ألف وأربعمائه طفل، وكانت في رسائلها الأخيرة تسأل الله المزيد حتّى، ثم ماتت ولا أدري ماذا حدث حتى تم الاحتفال باليوبيل الماسي ويكتب المدير الحالي للمؤسسة كلمة إضافية نشرها عبر هذا الكتاب، فالعدد الذي باتت تستقبله المؤسسة قلّ كثيرًا، فمن 1400 طفل في المرة الواحدة في حياتها، إلى 650 طفل في حياة المدير الحالي خلال الاحتفال باليوبيل الماسي، وما زالت المؤسسة قائمة بأسيوط، ولكن عدد الأطفال يتناقص، وأصبحوا يستقبلون من السنة الواحدة ما يدور حول رقم الثلاثين حالة جديدة، وأطلعت على شروط استقبال الأطفال، فوجدتها ضيّقت على الكثير، فالمؤسسة أصبحت الآن تشترط على كل حالة تأتي إليها أن تملك شهادة ميلاد حديثة مميكنة، و بحث اجتماعي من الشئون الاجتماعية، وخطاب من جهة ضامنة، وشهادة وفاة الأب أو الأم!

هل قرأتم حتّى هذا الكتاب الذي قمتم بنشره، ألم تقل فيه:
في إحدى المرات، خلال تلك الأيام التي لم نكن نعرف من أين ستأتي الوجبة المقبلة (ولقد استمر هذا الوضع لعدة سنوات)، قالت لي صديقة طيبة: "لليان!، لماذا تقبلين أطفالاً جددًا وهناك احتياجات كثيرة للأطفال الذين عندك؟!"، قلت لها: "إنني أفهم رأيها، ولكن في نفس الوقت فإن الأطفال الجدد بحاجة لما أستطيع أن أقدمه لهم، حتى أنه يستحيل أن أرفضهم، إذا انتظرنا حتى يصلنا مال زائد عن حاجتنا فإننا لن نفعل شيئًا، فلم يكن هناك هناك مالًا زائدًا أبدًا عن الحاجة
إنني دائمًا أقبل الأطفال الذين هم بحاجة ماسة لوجودهم معنا، وكل الذين أتوا إلينا وجدوا العناية والرعاية، وفي كل عام تتحسن الأمور عن السابق: مدرسة أفضل (في العام الماضي حصلت مدرسة البنات على أعلى الدرجات على مستوى مدارس أسيوط، كما أن مدرسة البنين حصلت على المركز الثاني) طعام أفضل، ثياب أفضل وأدفأ، مباني أكثر، وصحة أفضل بكثير
لم ننتظر قط تواجد المال الكافي حتى نبدأ أي شيء، انتظرنا فقط لنتيقن من الاحتياج، وأن المشروع هو من ترتيب الله وإرادته، فإذا تحققنا من هذا نستطيع أن نتوقع بركة الله على ما نقوم به

ماما لليان لم تكن سترضى بهذا، وأتخيّلها وهي تصيح: لماذا تواربون الأبواب التي أبقيتها دومًا مفتوحة على مصاريعها!، يا قليلي الإيمان!