Sunday, December 28, 2008

لقاء مع الفلسطينية ن


 


في كافتريا على النيل جلست وحولي عدد من الصحف الصادرة هذا الصباح، ورأتني (ن) فأفسحتْ المقعد الشاغر أمامي بيديها وقالت لي غاضبة وكأنها كانت منذ قليل تتابع حديثا آخر..


هي: .. وسمعت عن غزة؟!


أنا: نعم!            


وهي تصمت وأنا أعطيت هذا الصمت معنى بأنه حوار من نوع آخر يجمعنا مع أحداث غزة، فلا يوجد ما يقال فإن تكلمنا سأكرر ما قرأته في الصحف، وهي ستكرر ما سمعته من نشرات الأخبار ..


وهي أحست أن شيئا ما ينقصها فقامت وعادت مع كوب النسكافية، وبدأت تقلب بالمعلقة النسكافية وأفكارها في نفس الوقت!، وسرحت قليلا وأنا أنظر بطرف العين للعناوين المختلفة في الصفحة الأولى للجريدة ..


هي: عارف .. أمس قمت على صوت بكاء ماما وهي تتصل بكل أقاربنا في غزة .. وانزعجت! .. فالأصوات عالية .. صوت نشرة الأخبار .. وصوت أمي .. وسرعة شريط الأخبار أسفل الشاشة وومضات المشاهد! ..


أنا: وكيف حالهم؟


هي: الحمد لله كلهم بخير .. بس أنا متوقعة الأسوأ .. وأن الأمر لن يتوقف عند هذا فقط!


وهي مرة أخرى تضع الملعقة جانبًا، وتخطف الجريدة أمامها، وترسم على وجهها الجميل ملامح جادة، وقالت وهي تقرأ متخذة شخصية قارئ الأخبار :


هي في صوت رتيب سريع: قُتل 225 فلسطينيين معظمهم من أفراد الشرطة التابعة لحركة حماس في سلسلة غارات جوية شنها الطيران الحربي الإسرائيلي على قطاع غزة، وإصابة المئات ..


أنا ابتسمت لتقليدها، قبل أن تفاجئني بسؤالها ..


هي: سألت نفسك ليه أغلب القتلى من حماس؟!


أنا: لا أدري!


وأنا صادق لهذا فلم أنتبه لهذا التفصيل!، وهي الآن ترتشف أول رشفة لها من النسكافية، ثم تستغرق قليلا في استطعامه بلذّة ..


هي بهدوء: سأتركك تفكر!، وستعرف أن لولا الجواسيس والخونة لما بقى يهودي واحد في إسرائيل!


أنا: ماذا تريدين أن تقولي؟


هي بهدوء أكثر: عارف .. فتح أحقر من اليهود!


أنا أباغتها وأخطف من أمامها ذات الجريدة وأتخذ نفس وضعيتها السابقة وأقرأ مثلها في سرعة إخبارية:


القاهرة .. رام الله ..  نفى القيادي في حركة فتح الفلسطينية ورئيس كتلتها البرلمانية في المجلس التشريعي الفلسطيني عزام الأحمد وجود أي نية لدى الحركة والسلطة الفلسطينية لاستغلال "العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة من أجل استعادة السيطرة على القطاع " من يد حركـ ...


وهي كانت تصغي بلا اكتراث حقيقي إلى أن أوشكت على نهاية الخبر قبل أن تمتد يدها للجريدة في يدي وتأخذها مني واضعة إياها أسفل مقعدها، ونظرت إلىّ بلا انفعالات محددة ..


هي: سترى! .. ربنا هو العالم!


وأنا أجسّد شخصية قارئ الأخبار الجاد مرة أخرى لأغيظها ..


أنا : .. ولكن ما تقولينه خطير!


هي تنظر لي نظرة عابسة، ثم أخذت تحدق في كوبها على المنضدة، وأنا الآن أبتلع جميع أفكاري التي كنت أريد قولها، ثم أسالها بلطف واهتمام:


أنا: وعاوزه إيه يحصل؟


هي: بس كل أقاربي يكونوا بخير في كل وقت .. لا يهم أن أراهم مرة أخرى .. اسمع صوتهم بس!


أنا لا أستطيع الكلام، فالكلام يتضاءل أمام أمنية غالية، كأننا ألقينا معًا عملة ذهبية إلى قاع نافورة الأمنيات، وراقبناها في صمت! ..


هي: أعرف أنك تحب الشعر .. لو فكرت في بيت شعر الآن .. يكون إيه؟


أنا في سرعة: بيت لنزار!


هي: وما هو؟


أنا: يا بن الوليد ألا سيفٌ تؤجرهُ .. فكل أسيافنا قد أصبحت خشبا


هي تتأمل البيت قليلا،وترفع الكوب نحو شفتيها ..


هي في استمتاع حالم: جميل!


أنا: لم أقدر على تذكر أي بيت فيه أمل!


هي ترشف رشفة ثانية وتمر لحظة صمت وتقول في هدوء..


هي: وأنا أيضًا فقدت الأمل!


وترشف رشفة صغيرة أخرى.

Sunday, December 21, 2008

آتٍ



في صباح اليوم التالي لموتنا ستظهر لهم أشياء جديدة لنا لم يلاحظوا دورها الجديد من قبل، فلأثوابنا المعلقة النظيفة أصبح لها رائحة مميزة تذكرهم بنا، و وكذلك حقائبنا ومحافظنا وأوراقنا المالية وكافة أغراضنا اليومية ستصبح قاسية المظهر أكثر وسيبدءون في النظر إليها وكأنها وجه آخر للموت، فملمسها جاف ويزداد كل يوم قسوة وبرودة.

وسيلاحظون بعد فترة أن رائحة الموت التصقت بكل شيء تعوّد عليه، فيحاولون تغيير مواضع الأثاث .. وإعادة تنجيده .. وأي شيء آخر ليضعوا قناع رقيق فوق وجه الموت، وإن كان ولدهم الوحيد .. فستغلق غرفته كما كانت يوم رحيله، ويصبح بابها المغلق، كأنه باب المقبرة الحديدي، وربما ستنسى هذه الغرفة كأن لم تكن موجودة من قبل في هذا المنزل.

وأشعر أن نبأ وفاة الطفل الصغير لا يحمل الأثر العميق ذاته الذي يحمله نبأ وفاة الشاب أو الفتاة، لأنهم يدركون أن الأطفال مازالوا لم يدركوا بعد خبرات الحياة أو مواقفها، ولم يطمحوا لشيء حقيقي أكبر، كعاطفة ومركز اجتماعي ومال، فقلبهم توقف قبل أن يطل من نافذة الدنيا وقبل أن تتشكل نظرتهم لها، فهم مازالوا محتفظين ببراءتهم الطاهرة وأنهم عصافير الجنة وأحباب الله.

أما عندما يموت شابًا، فالأثر أكبر، ولا يهم إن كنت تعرفه أو تعرفها من قبل، يكفي أن تسمع أنه مازال طالب أو طالبة أو مازال في العقد الثاني أو بداية العقد الثالث من عمره، يكفي هذا لكي ينقبض قلبك له، وستتساءل: أنه صغير! .. هل اختبر شعور التخرج .. أول عمل .. أول فتاة .. أول موعد .. أول حب .. أول قطعة أثاث وضعت في شقته الصغيرة .. وأول ليلة له فيها، وأنه شاب صغير، هل عرف ربه .. هل واظب على الصلاة .. الصوم؟ .. الزكاة؟، هذه أشياء صغيرة ولكنها تخترق القلب وتترك به آلاف الثقوب.

وتسمع بأن جاركم الذي تجاوز منتصف العمر توفى، فلا يحدث لك نفس الأثر، وإن حزنت فأن حزنك ليس له وإنما لأولاده .. لزوجته، وما مصيرهم وقد فقدوا هذا السند، فأنك لا تحزن على الحائط المنهار وإنما على من كانوا تحته، فهذا الرجل قد ترك أسرة ومنزل وذكر طيب، أي أنه ترك أثرا ما شبه مكتمل من بعده، وهذا الأثر الباقي  له القوة على أن يمحي حزنك.

والحزن على صديقك، هو في الحقيقة حزن على ذلك الفراغ الذي كان يشغله من حياتك، وملأه معك بمواقفكم المشتركة وذكرياتكم، فأنت حينها ستحسّ بوزن الفراغ المنعدم في روحك وإحساسك، فتفقد الاستقرار قليلا وتحسّ بالحزن.

وأما الشاب أو الفتاة، إن كنت تعرفهم، فأنك تفتش عبر حياته القصيرة على أي شيء قد فعله، أي موقف صغير، أي مسابقة محلية فاز بها، وتنظر للصور .. أنه جميل وهي أجمل، وجوههم تفيض بشارة وسعادة وخدودهم وردية، ولكن هل تحقق شيء آخر غير هذا الجمال؟!، ستردد أنه كان فيه «بوادر» رجولة حقيقية .. «بوادر» تحمل للمسؤولية .. «بوادر» فكر متميز كان سيعد بشيء في المستقبل، وستردد أنها كانت تحمل «بوادر» أنوثة طاغية .. و«بوادر» روح مرحة كانت ستتجاوز بها عقبات حياتها، و«بوادر» حياة اجتماعية وتميز في مجال عملها في المستقبل، فحياتهم السابقة أصبحت الآن «بوادر» لشيء ما، كأنها ثمرة جميلة .. أو في طريقها لأن تكون كذلك .. ولكنها عندما سقطت، لم تكن ناضجة!

...

ومَن يتحدث عن الموت فهو يحترف فن الكتابة المطاطية، فهو يمطّ الحروف والكلمات والجمل، ليجعل مما يكتبه شيئا له أهمية، والموت لا يستحق كلّ هذا، فكل ما هو آتٍ آتٍ، ولكن أنت بك رغبة طبيعية في التمرد ورفض الرحيل عن الدنيا فجأة، فأنت وأنا كما قال الإمام علي " كأن الموت على غيرنا كُتب".

وأنت ربما قد مرّت عليك وفاة شخص قريب منك، فتحزن ويتعبك الحزن فتنام، فترى وكأنهم قد أخذوك ودفنوك، فتصيح، فأنت مازلت حيًا، ولا يسمعك أحد، وتصرخ وتضطرب إلى أن تستيقظ من هذا الكابوس، وربما قد تنسى مبادئ التحلل وأنت تخبر أصدقائك بأنك لا ترغب في أن يتم دفنك إلا بعد مرور ثلاثة أيام مثلا، فيضحكون من رغبتك العجيبة، وأنت لا تدري سبب هذا الضحك، فأنت تخاف من أن يتم دفنك حيًا .. وفقط!

...


وفي القرآن آية، عندما قرأتها لم أستطع تجاوزها دون إعادة قراءتها مرة بعد أخرى جامد العين، وأحسست بعد ذلك أن لها قصة لا أعرفها، فقمت وراجعت كتاب التفسير، وعرفت أن هذه الآية تُسمّي ب«مبكاة العابدين»، وحزنت فأنا لم أستطع البكاء أو التباكي!

فأنا في ذلك مثل إمام الصوفيين في عصره «يوسف بن الحسين الرازي» (ت 304 هـ)، وله حكاية، فلأنه رجل صوفي له مكاشفات وأحوال وكلمات غامضة اللفظ بعيدة المعنى، فلهذا تجنبه عامة أهل مدينته وقالوا بأنه زنديق، وذات يوم وهم كذلك دخل عليه أحدهم فرآه وحيدا وهو يقرأ في القرآن، فالتفت له يوسف وقال له:

- لأيش جئت؟

فقال:

- زائرًا

فقال:

- أرأيت لو ظهر لك هنا من يشتري لك دارًا وجارية ويقوم بكفايتك .. أكنت تنقطع بذلك عني؟

قال:

- يا سيدي!، ما ابتلاني الله بذلك!

فقال:

- اقعد، فأنت عاقل .. تحسن تقول شيئا؟

قال:

- نعم!

قال:

- هات!

فأنشد الرجل هذا الشعر:

رأيتك تبني دائمًا في قطيعتي

ولو كنت ذا حزمٍ، لهدّمتَ ما تبني


كأني بكم، والليت أفضل قولكم

ألا ليتنا كنا إذ الليت لا تغني


فبكى يوسف وطال بكاءه، ولما هدأ قليلا التفت للرجل وقال له: يا أخي!، لا تلم أهل مدينتي على أن يسموني زنديقا، فأنا من الغداة أقرأ في هذا المصحف وما خرجت من عيني دمعة، وقد وقع منّي فيما غنيّتَ ما رأيت!

 ..

فعند ذكر الموت والوفاة، فأن أول ما أتذكره هو قول الشاعر: (المرءُ ينسى الموتَ ثم يهزّهُ  .. موتٌ فيذكر ثم ينسى جاهدا)؛ ثم أنسى أي آية تحدثت عن الموت وأقف أمامه صامتًا ساكنًا في شيء أشبه بالخشوع ولكنه ليس بذلك!

رحم الله الإمام يوسف الرازي ورحمني معه وإياكم!

Friday, December 19, 2008

توك توك الإسكندرية


أرغب في محاولة الكتابة في الحوادث اليومية، والحادث المثير للاهتمام الآن في مصر، هو حادث الإسكندرية، والحادثة في إيجاز: إسلام شاب 25 عاما يعمل على «توك توك» في مدينة الإسكندرية، ومثل الجميع فأن هذه «التكاتك» لا تحمل رخصة سير وتسيير، فيأتي ضابط مرور ما، ويصر على مصادرة «التوك توك» الخاص به لأنه مخالف، فيرفض إسلام ترك «التوك توك» ويسكب على نفسه البنزين مهددا الضابط بعدم الاقتراب، فيقذف الضابط له بولاعة سجائر معلنا أنه لن يجرؤ على ذلك، فيأخذ إسلام الولاعة ويشعلها بالفعل وسط ذهول الجميع، لينتهي الأمر بوفاته محترقًا، ولتندلع بعد ذلك مظاهرات شغب عديدة في منطقة العصافرة بالإسكندرية مع وجود أمني مكثف ساعد على وجود احتقان شديد من السكان ضد رجال الشرطة.

 ولكن وسط هذه الأحداث، هناك سؤال كبير وإجابة مترددة تصطدم بكل الاتجاهات .. السؤال هو: مَن المسئول عن ذلك؟!

الإجابة ..

- الضابط!

- لا .. ولماذا وهو قد أراد في الأساس أن يقوم بواجبه الأصلي؟

- أين هذا الواجب وأنت تعلم جيدًا أنه لا يوجد أي «توك توك» مرخص في مصر، ولم تشاهد أي لوحة مرورية على أي  منهما.

- نعم!، ولكن إسلام أراد إتباع مبدأ (لماذا أنا فقط؟)، وتوسل للضابط ليتركه في حاله مع أنه يعلم أنه مثلهم مخطأ ..

- إسلام هذا التي تتحدث عنه كان من عائلة فقيرة، وكان متوسط ما يتقاضاه في يومه من حصيلة يوم العمل على «التوك توك» لا تتجاوز العشر جنيهات، فكيف كنت تريده أن يعوّل نفسه وأسرته إذا صادر الضابط آلة عمله وتركه بلا سند؟

- مرة أخرى سأقول أنه من الخطأ أن نلوم ضابط المرور مرارا عندما يتجاهل مخالفات التوك توك الفاضحة، وعندما يقرر أخذ موقف جاد منها، تنفجر ماسورة اللوم بصورة أكثر مأساوية .. فأيهما أفضل .. القضاء على عنصر واحد مخالف على الأقل أم ترك جميع المخالفات بلا أي إجراء

- أنت لم تجب على سؤالي!

- سأجيب بأنه لم يحصل على التوك توك مجانا وسعره عدة آلاف، وكان يستطيع بثمنه الاشتراك في مشروع قانوني آخر إن أراد بدلا من النظر للتوك توك على أنه الآن موضة الربح السريع ..

- ولكن الحكومة أيضًا تضع العراقيل أمام أي مشروعات أخرى للشباب .. فالأمر سيّان!

- هذا رأيك وأنا مختلف معك!

- حسنًا، عودة لحادثة الإسكندرية .. إذن أنت ترى أن هذا الضابط برئ مما حدث؟

- لا أيضًا ..

- لماذا؟

- لأنه أثار الموقف إثارة أكبر، فعندما سكب إسلام البنزين وهدد بإحراق نفسه، قام الضابط بقذف ولاعة السجائر نحوه وهو يقول في استفزاز لا يحتمله الموقف: "يللا! الولاعة جاهزة .. وريني هتحرق نفسك إزاي!"

- ولكن يمكن تفسير الأمر بأنه ملّ تعقد الموقف، فأراد أن ينهيه واثقا من عدم جديّة إسلام في حرق نفسه فعليا!

- لحظة! .. إلى أي جانب أنت الآن؟!

-  لا تهتم، فأنك عندما تحدث نفسك لا تعود هناك أهمية لمَن يتحدث إلى مَن!

- حسنًا، ولكنك تطرح وجهة نظر أخرى، وهي: هل كان إسلام سيقدم على ما فعله لو لم يملك ولاعة الضابط؟

- ولكن نسيت شيئًا، ألم يسكب صفيحة البنزين التي كان يحملها داخل «التوك توك» الخاص به، أي لم يقدم له الضابط هذا البنزين

- هذا صحيح، ولكن هذه الصفيحة كانت مخصصة لإمداد «التوك توك» بالوقود كما تعرف، وهذا لا يعني إنه كان يملك وسيلة إشعال ما تمكنه من تنفيذ تهديده، فربما هو غير مدخن، ويدعم هذا أنه عندما تأزم الموقف وتم سكب البنزين، لم يلمح أحد أي وسيلة إشعال معه إلا التي أعطاها له الضابط على سبيل الاستفزاز كما قلت.

- لا أعلم .. ولي سؤال!، هل ترى إسلام منتحرا؟

- بالتأكيد والله أدرى به!

- والضابط؟

- سأذكر لك مثالا: الشيطان عندما يضخّم أسباب البؤس واليأس ويسد أبواب الرحمة والتواكل لدى بني آدم ثم يقرب له فكرة الانتحار حتى ينتحر فعلا، فهنا هذا الشخص يعتبر منتحرًا بينما لا يعتبر الشيطان قاتلا، مع مساهمته الضخمة التي أجراها الله سبحانه على يده!

- أنك تذهب بعيدا ..

- آسف!، أقصد أنه أيضًا كان من الممكن لو قُدّر ذلك أن يدير الأمر بطريقة مختلفة مع قليل من الحزم، بدلا من التصرف بطريقة عنجهية مع إسلام، والانصياع للغضب

- أنت أيضًا لم تجب على سؤال: مَن المسئول؟

- أعلم فهذه محاورة عقيمة

- إذن لماذا استدعيتني للحوار معك؟

- لأن مشهد الإجابات وهي وترتطم وترتد من جميع الاتجاهات .. مشهد يستحق المشاهدة .. ولا أحب المشاهدة بمفردي

^_^

Monday, December 15, 2008

رائحة الخشب


 


أحب أجواء المسرح!، ويوجد فرق بالتأكيد عندما تشعر أن أداء مَن على خشبة المسرح موجه إليك، وحماسهم في الأداء هذه الليلة من أجل إمتاعك أنت ومَن معك في هذا المكان، وهذا لا تشعر به أمام شاشة السينما أو التليفزيون، فهما تطورت السينما ومؤثراتها فأنه يظل للمسرح طعم خاص مميز يحبه الجميع ولا يجدونه في السينما والتليفزيون.


وقالوا: أنك تحتاج لوجود ثلاث أشياء في صالة المسرح، العرض المسرحي المكتوب، والممثلين، والجمهور .. وكلٌ منهم يجب أن يساهم بشيء ما.


والفنان «فؤاد المهندس» قال بأنه رغم تمثيله في عشرات الأفلام إلا أنه لا يحسّ بسحر التمثيل ومذاقه إلا عندما يشم رائحة خشبة المسرح ومواجهة الجمهور، أي أن هذا هو أساس التمثيل، مواجهة النقد وجهًا لوجه ورؤية الأثر سريعا في صيحات الاستهجان أو موجات التصفيق، والمسرح أيضًا يعوّد الممثل المسرحي على النظام والانتظام، فهذا ليس دورًا يؤديه مرة واحدة وإن أخطأ فلا بأس فهناك المونتاج!، لا!، يجب إتباع النظام والتعوّد عليه، والمسرح صعب على الممثل، فهو مطالب بأن يؤدي العمل نفسه كل مرة خلال فترة العرض التي قد تمتد لأشهر، والسحر هنا بأنه مطالب في كل مرة يعتلي فيها خشبة المسرح بان يجعل هذه المرة كأنها المرة الأولى، بنفس حماسها واتقادها.


وفي إحدى مسرحيات «يوسف وهبي» كان هناك دورا ثانويا لشخصية حارس السجن في الفصل الأخير، مهمته أن يقول كلمتين ثم يقتاد الشخص الذي يقوم بدور المحكوم عليه للخارج، ثم يقف بعد ذلك «يوسف وهبي» ويقول خطبة نهائية ثم يغلق الستار؛ والذي حدث في إحدى المرات أن القائم بدور هذا الحارس شعر بالملل فأحب أن يزيد مساحة دوره قليلا جدا، وفعل ذلك مقولة صغيرة من ثلاث كلمات فقط باللهجة الصعيدية قالها وهو يقتاد المحكوم للخارج، إلا أنه بعد فعلته هذه رأى علامات الامتعاض على وجه «يوسف وهبي» وأحس من وراء الستار بأن خطبة «يوسف وهبي» الأخيرة كانت فاترة وأن تصفيق الجمهور عندما نزلت الستارة كان جامدا بلا إعجاب، ورأى «يوسف وهبي» يتجه نحوه ويقول بان هذه هي المرة الأخيرة له وليأخذ أجره المستحق وليخرج للأبد!، لأن من ألف باء الفن المسرحي للممثلين هو Play out the play! بمعنى أخر أن لا تخلط الهزل بالجد وإن كان هذا الجد يعتبر هزلا لدى الآخرين!


 

Tuesday, December 9, 2008

صلاة العيد في كنيسة القديس بطرس


عيد سعيد، وفرصة لكتابة شيء ما ^_^


بعد وفاة الزعيم سعد زغلول ونشر مذكراته ويومياته التي كان يكتبها بانتظام تقريبا، لاحظ أحدهم شيئا بسيطًا، وهو أن سعد زغلول انقطع في إحدى الأوقات عن إضافة أو تسجيل أي شيء، مع أنه كان هذا الوقت حرًا وليس مسجونًا أو منفيًا مثلا، ثم عندما بدأ مرة أخرى في تدوين يومياته لم يعتذر عن الانقطاع أو يبرر السبب، وعلّق الذي لاحظ ذلك بقوله أن ذلك أكبر دليل على أن هذه المذكرات واليوميات عفوية وغير متكلفة وصادقة إلى حد كبير، لأنه يكتب هذا لنفسه وليس للتاريخ أو لعائلته أو أصدقائه فلا معنى للاعتذار! .. وأصبحت هذه اليوميات مصدر هام وضروري لأي باحث أو مؤرخ يريد أن يعرف ماذا حدث وماذا كان يفكر فيه زعيم الأمة في هذا الوقت!


 


صعدت، بعد انتهاء خطبة صلاة العيد، لشرفة الدور الأول من عمارة قريبة للغاية من ساحة الصلاة، لأشاهد من أعلى الناس وهم يتحركون في كل تجاه ولأغسل عيني بمشاهدة مرح وجنون الأطفال .. والكبار أيضًا .. لأنه بصدق عند مشاهدتي تدافع الجميع أسفل البالونات المعلقة ومحاولة تحريك الحبال لكي تسقط عليهم، ومشاهدتي أيضًا في طرافة رجلا عجوزا وهو يرفع عصاه الذي يستند عليها لكي يساعد أيضًا في إسقاط البالونات .. عند مشاهدتي لذلك الشغف والتدافع، أتى على بالي فجأة صورة بابا الفاتيكان وهو يطل على الجماهير من شرفة كنسية القديس بطرس ويحرك يداه بمباركاتهم!، نسيت أقول أن أيدي الجميع كانت ممتدة لأعلى في استعداد عن سقوط أي بالونة مما ساعد على استحضاري لصورة البابا  ^_^   


 وكانت أجمل حاجة رأيتها أثناء ذلك هي وجه فتاة جميله جدًا على ذراع والدتها، وهي تنظر لأعلى في سعادة وانبهار لمحاولات إسقاط البالونات! .. كان بريق عينيها كقطرتي ماء فيروزي اللون يريدان أن يسقطا من فرط لمعانهما الجميل، الفتاة الصغيرة كانت أسطورية فعلا بملامحها، أتمنى أن أراها مرة أخرى، وذكرتني بفتاة أخرى في عمرها اسمها (سارة) أو (الأميرة سارو) واستغل هذه المناسبة لأقول بأنني أفتقدها أيضًا وأريد رؤيتها :D


 


وهرب عجل!، ولا أتحدث عن خبر هروب العجل الذي نشر في جريدة المصري اليوم صباح يوم العيد!، لا!، أنه عجل آخر ^_^


وكان من الطريف أنه استطاع الهرب أثناء تكبيرات صلاة العيد في الركعة الأولى!، أي أن هذا يدل على أنه استطاع أن يخطط عملية الشروع في الهرب بشكل دقيق!، فمن سينتبه له في مثل هذا الوقت! ..


ولكنه من سرعة إعداده لهذه الخطة نسي شيئا هامًا للغاية ( نعم مازلت أتكلم عن العجل!) وهو أنه لم يحسب حسابه أن المخزن التحت أرضي الذي أستطاع التخلص من قيوده فيه، كان يوجد أعلاه ساحة الصلاة الخارجية للسيدات! ..


فلمن كان معنا في هذا اليوم أعلن أن صوت الصراخ الشديد الذي سمعوه أثناء الصلاة، كان سببه هذا العجل .. وليس لأي سبب آخر قد يخطر لكم! ^_^


ويمكنكم النوم لهذه الليلة باطمئنان، فقد تم القبض عليه وإعادته سالمًا إلى حين :)


 


وأودعكم بلقطة جميلة على اليوتيوب:


 


وما يقوله د.كوكس في هذا المشهد هو الآتي:


Good God in heaven, Newbie, there are just so very many ways for me to say this to you: Never; not in a million years; absolutely not; no way, Jose; no chance, Lance; niet; negatory; mm-mm; nuh-uh; oh-oh; and of course my own personal favorite of all time, man falling off of a cliff... Noooooo-ooooooo-oooooooo.....Pshhh.


                  


هذا ممتع، وأقوال د.كوكس في هذا المسلسل عجيبة حقًا، وهناك جملة أخرى له في نفس معنى المقولة السابقة وهي:


Any other day I'd say no, but today I'm gonna go ahead and just say No!       


على الأقل كان هناك قليلا من الأمل ^_^


هيا الآن عيد سعيد


:)


 

Thursday, November 20, 2008

خطوات ضبابية 3 - 4

 



 


(3)


رأيتُ نفسي كأنني استيقظت من النوم في غرفتي، وكان النور مطفئًا والباب مفتوحًا، فنهضت وخرجت إلى غرفة المعيشة فلم أجد أحدا، فتوجهت نحو غرفة النوم الأخرى فوجدت بابها مغلقًا، ففتحته ورأيت داخل الغرفة عدد من أقاربي الرجال ملتفين في وجوم حول السرير، وكان على السرير ميت مسجى، عيناه مغمضتان والوجه مشدودًا وعليه بريق لامع، وخَطَرَ لي في هذه اللحظة أنني أعرف هذا الميت جيدًا، فهذا جثمان شاعر النيل حافظ إبراهيم!!، لا شك في ذلك .. تلك ملامحه وهذا شاربه الصغير الدقيق!، ثم رفعت نظري من على الجثمان لأرى كل عيون أقاربي مثبتة نحوي، وكأنهم كانوا لا يرغبون في أن أرى هذا المشهد، واستمرت نظراتهم إلىّ مما اضطرني إلى أن أغلق الباب مرة أخرى.


 


(4)


رأيتُ نفسي كأنني أسير في إحدى شوارع المدينة الواسعة، وكان برفقتي رجل عملاق لا أعرفه يفوقني طولا كثيرًا، ولكن كان من الغريب أنني لم أشعر بفارق الطول الرهيب بيننا، فأنني لم أكن أواجه صعوبة في الحديث معه ونحن نقطع شوارع المدينة معا، وكان الوقت صباحا والسماء صافية، ثم فجأة شعر الرجل العملاق بألم شديد وسقط على الأرض بجانبي، وأحسست عندها لأول مرة أنني قزمًا للغاية بجانب جسمه الممدد على الطريق، فتسلقت فوق صدره وضربت قلبه بكلتا يديّ عدة مرات في جزع، قبل أن يستفيق قليلا ويفتح عينيه في بطء، ثم تحامل لكي يقف وهو ينظر لي نظرة امتنان!


 


 


---


لمعرفة معنى هذه السلسلة راجع هذه التدوينة

Wednesday, November 19, 2008

حاسة سادسة أم صدفة؟


 


اعتذار


أشعر أنني قصرت هذا الأسبوع في شأن مدونتي، وكم افتقدت الكتابة فيها جدا، ولكني الآن أمر بتجربة جديدة في حياتي وآمل أن تكون نافعة وأن تستحق الكتابة عنها ذات يوم .. وعذرًا :)


 


حاسة سادسة!


 


بعد منتصف الليل بقليل، وقبل أن أبدأ في صعود كوبري المشاة الذي يفصل بين المنطقة التي أنا فيها الآن وبين بيتي، أتى لي يقين بأنني سأقابل على الكوبري فلانا، وكان لا أحد على مرمى البصر أمامي في هذا الوقت والشارع هادئ إلا من إضاءة خافتة تأتي من بعيد من أحد أعمدة النور المتناثرة.


ومن الغريب أن هذا الشخص بعينه لا أعرفه معرفة تامة ولم أقابله سوى بضع مرات قليلة، ثم أنه في العقد الخامس في عمره وأنا مازلت في الثاني!، فلم تكن مقابلته ضرورية لي ولم أملك ما قد أقوله له.


قلت ذلك لنفسي عند صعودي درجات سلم الكوبري واجتزت وحيدًا ممر الكوبري قبل أن أبدأ الهبوط من الجانب الآخر في شرود معتاد، ثم لاحظت عن بدء نزولي بيد هذا الشخص تمتد مصافحة لي وتخرجني من حالة شرودي لانتبه له فلولا أنه لاحظني عند نزولي السلالم وصعوده هو من نفس الناحية ومدّ يديه للسلام لما كنت رأيته، ولن أكلمكم عن حالة الدهشة التي نجحت في إخفائها وأنا أصافحه، ففي هذا الوقت المتأخر لم يكن على الكوبري أحد غيري وغيره، ومن الغريب مرة أخرى أن الحوار الذي دار بيننا في هذا الوقت يعتبر أطول حوار متصل تبادلته معه، وطالت وقفتنا، فشكرا لك يا فلان فقد كنت بحاجة لمثل هذا اللقاء. 


 


أو صدفة!


 


قلت فجأة :


- لا أعرف ماذا يعني اسم «ميرا» !!


قالت أمي :


- «ميرا»؟!


- نعم!


قالت:


- حسنًا!، بهذه المناسبة .. حفل زفاف «ميرا» هذا المساء!


---


ماذا يعني هذا الكلام؟، يعني أنني فجأة نطقت باسم «ميرا» أمام والدتي وقلت أنني لا أعرف عما يدل هذا الاسم، و«ميرا» الوحيدة التي أعرفها كانت معي في مدرستي الابتدائية وفي نفس الفصل، وأتذكر أنني كنت لا أحبها لأن أمي كانت تستخدمها دائما للتجسس عليَّ وخاصة أنها تعرف والدتها كصديقة!


فالصدفة هنا أنني ذكرت اسمها مع أنني لم أقابلها منذ أيام المدرسة وعندما تذكرتها فجأة كان هذا يوم زفافها


معلومة عرفتها الآن .. ميرا هو اسم لإحدى النجوم الحمراء العملاقة وصورته في أعلى هذه التدوينة


العلم نور :)



 

Wednesday, November 12, 2008

طفلة



تقدمت نحوها من الخلف، وقلت:

«ماذا تفعلين؟»

استدارت الفتاة الصغيرة في دهشة، ونظرت إليَّ بعينيها الواسعتين قائله:

«لا شيء!»

قلت وأنا أنظر إلى سطح السيارة المترب كالعادة:

«أكنتِ تكتبين على سيارتي؟»

هزّت رأسها بالنفي في اقتضاب، فقلت مبتسمًا:

«يبدوا أنك لم تفعلي ذلك بالتأكيد يا إيمان!»

ضاقت عيناها في شدة وهي تتساءل:

«عارف أسمي؟!»

فقلت بنفس الابتسامة السابقة وأنا أشير أمامي:

«هذا هو الذي كنتِ تكتبينه منذ قليل!»

فالتفتت في سرعة ومسحت بطرف ثوبها جزء من سطح السيارة أمامها، فبادرتها قائلا:

- «شكرًا»

- «لأي شيء؟»       

- «لمساعدتي في تنظيف السيارة!»

فنظرت إلى في غضب طفولي ولم تجب، وأسرعت مبتعدة!

Saturday, November 8, 2008

جاري .. ذلك المجهول


المدينة قاسية .. بمبانيها المرتفعة وشرفاتها الخالية أغلب الوقت، فالجميع في الداخل، هناك من يشاهد التليفزيون، هناك من يتحدث في الهاتف، وهناك من يجلس أمام شاشة الكمبيوتر الآن .. مثلي ومثلك!.


عندما كنت صغيرًا وعند شعوري بالملل الشديد، أخرج إلى الشرفة وأجري سباقًا خياليا بسيطًا بين كل ناصية من نواصي الشارع المقيم به، فالناصية الفائزة هي التي سيجتازها  أكثر عدد من الأشخاص في وقت معين، فمرور الرجل أو السيدة بمفرده له خمس نقاط ومرور رجلين أو سيدتين معًا له عشر نقاط، ومرور شخص على دراجة له عدد آخر من الدرجات، وهكذا إلى أن ينتهي الوقت المحدد وتعيين الفائز!، ولكن كان هناك تحيّز، فعندما كنت أقيم هذا السباق الخيالي وأمي أو أبي بالخارج، فأن مجيئهما من أي ناصية كان كفيل بإنهاء السباق وإعلان فوز هذه الناصية بالسباق حتى وإن لم يجتازها خلال الوقت المحدد أحد غير أبي أو أمي! ^_^


وكذلك أيضًا عندما كنت أركب وسيلة مواصلات ما لمكان بعيد تطول خلاله المسافة، مثل المصيف مثلا، أعتدت أن أتخيل شخصية كارتونية على لوح تزحلق خشبي وهي تجتاز في رشاقة السيارات التي حولي وتجتاز بدون تصادم أعمدة النور والنخيل والأشجار والأشخاص، كل ذلك لكي يمكنها أن تلحق بالعربة أو بالأتوبيس الذي أركبه، وعدم فقد أثري، كل ذلك وهي تقوم بحركات بهلوانية بلوح التزحلق أثناء محاولتها اللحاق بي!


 


قلت أن المدينة قاسية، صح؟، إذن دعوني أكررها مرة أخرى، المدينة قاسية!، وجيراننا نجهلهم، ولا أقصد بذلك جيراننا المقيمين في نفس بنايتنا فقط، ولكن أقصد الآخرين، هذا تقصير منّي، وهذه المشاهدات البسيطة هي محاولات لأن أتذكر عادات جيراني الذين لا أعرفهم!


وحاول!، فستلاحظ أن هناك عادات صغيرة لهم تتكرر من حولك، أشخاص تراهم هنا وهناك وهم يكررون عاداتهم اليومية الصغيرة .. في شارعك .. بالقرب منك .. أثناء ذهابك للصلاة .. لشراء احتياجاتك .. هذه دعوة لك لمحاولة تدوين عادات جيرانك .. ولتستكشف ذلك المجهول معي.


  وكعادتي في عالم التجزئة والسلاسل! ^_^، سأدون ما أراه أو أتذكره من تلك العادات تحت عنوان ثابت وبسيط  \\جيران وعادات\\


انتظرونا، مع أني لم أكتب شيء بعد، وآه وبهذه المناسبة .. أخيرًا عملت حكاية التصنيفات لكل موضوع، وأضفت قائمة التصنيفات على الجانب لتسهيل الوصول (قال يعني ممكن حد يتوه في مدونتي من كثرة مواضيعها ^_^ )


واممم مش بحب اكتب موضعين في يوم واحد ولكن هذا ليس موضوع، إنه إعلان كما ترون :D


ونقطة أخرى، صدقا لا أعرف ما الرابط العجيب بين مقدمة الموضوع وبين نهايته!، هكذا حدث الأمر!


 

عن يوم الجمعة 1



كان الأمر الممتع في اكتشاف أن الأستاذ الدكتور/ يحيى هاشم حسن فرغل، يسكن بالقرب منا، وأن أبنه صديق لخالي منذ زمن بعيد، كان الأمر الممتع في ذلك أني حصلت على مجموعة من كتبه التي قام بوضعها، بصفته عميد كلية أصول الدين بالأزهر سابقًا، وسألت لماذا أغلب هذه الكتب غير منتشرة وتم طبع كثير منها في مطابع ودور نشر مغمورة وعلى نطاق ضيق، وكانت الإجابة: هذه الكتب ليست روايات ولا تحمل أغلفتها صور فتيات جميلات.

كان خالي يمزح :)     


ثم قابلت بعد ذلك بأيام ابن المؤلف، وسألني ما الذي أعجبك في كتب والدي حتى الآن، فقلت ضاحكًا: رأيه في الزواج العرفي بالتأكيد!


أما لماذا قلت هذا؟، فلأن والده استعرض أسس الزواج العرفي وقواعده، وقال بعد كلام كثير أنه على أكمل ما يكون الحلال، وليس كما قال آبائنا وأجدادنا من قبل "زواج مشبوه .. وزنا فاضح!"


وماذا قال أيضًا، وسأكتفي نقل المعنى، قال أن الزواج العرفي يعني أنه غير موثق من الجهاز المدني مما يعرضه لمخاطر إسقاط الدعوى أمام المحاكم وضياع الحقوق وما إلى ذلك، ثم يقول بعد كلام كثير وبعد مهاجمة هذا الدستور القانوني أنه يكفي أن نعلم أن صورة الزواج العرفي بدون توثيق سارية في بعض البلدان العربية عند جماعات البدو، وسكان الواحات لا يزالون يعيشون عصر القبائل فتتصاهر الأسر ويتم الزواج والإنجاب بعيدا عن أعين الدولة وقانونها ولا يستطيع أن يقول أحد أن هذا الزواج وإن خلا من التوثيق غير صحيح، ثم يقول: ولم نعرف أن مذهبًا من المذاهب جعل التوثيق أمام موظف النظام المدني شرطًا أو ركنًا من أركان الزواج، فكان هذا إجماعًا على صحة الزواج بغير هذا التوثيق، أي أن تحريمه مخالفًا للإجماع.


ثم يترك هذه النقطة بعد الانتهاء من تفنيدها، ويأخذ في  مواجهة النقطة الثانية، وهي اشتراط الأهل، فهو أولا يسوق حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي عليه السلام "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل"، فيقول أن هذا الحديث ليس في البخاري ومسلم، ويستقبله بصدر رحب ثم يأخذ في تتبعه من مصادره ثم يورد أحاديث صحاح أخرى في نفس المضمون ويتناولها بالتأويل والتفسير، ثم يأخذ في تتبع سند حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، إلى أن أسقطه وساق بذلك أدلة أصحاب مذهب أبي حنيفة في ذلك، وقال متسائلا: كيف تجالهنا فجأة مذهب الإمام أبي حنيفة في الموضوع كأنه لم يظهر إلى الوجود، ومن يملك أن يوصد أبوابه أمام من يأخذ به في هذه المسألة من الشباب، وسخر قائلا بأن في عقد الزواج المصري يصرح به عادة بأنه (على كتاب الله وسنة رسوله وعلى مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان) وقال أليس هذا من التناقض؟


 فمذهب أبي حنيفة لا يشترط بأي حال وجود الولي في الزواج وجواز زواج البكر والثيب بدون ولي، وصحة ولاية المرأة عن نفسها، وذكر قول الإمام الطحاوي الذي روى عن عمر وعلى وابن عمر رضي الله عنهم جميعًا قولهم بجواز زواج النكاح بغير ولي.


الكلام في هذا يطول، ولكن  هناك نقطة هامة، وهي أن الكاتب لا يدعو أبدًا إلى الزواج العرفي والترويج له، وساق مثال لهذا وقال: هل يلزمنا أن نأكل لحم الضب أو الجراد لأنه حلال؟ إن هناك فرقا واضحا بين موقف الدعوة لشيء وموقف الالتزام بحل ما أحل الله.


فالكاتب يرى أن هناك من الشباب بسبب وطئه الظروف الاقتصادية وتعنت أهل الزوجة كثيرًا في مطالبهم وأتخيرهم سن زواج البنت إلى لما بعد الثلاثين، ارتضوا هذا الأسلوب في الزواج حماية لهم من أشياء كثيرة، ثم واجهوا في ضعف نظرة المجتمع لهذا النوع من الزواج بأنه زنا، فأحب الشيخ أن يوضح أن هذا الزواج العرفي لا يعارض الدين الإسلامي في شيء.


ولكنه كما ذكرت يورد في نهاية الخطبة قوله بأنه مع زواج المرأة بولي، والنصيحة غير الفتوى، فهو لا ينصحها بأن تتخلي عن الولي عند الزواج، لأن ذلك يمثل دعم وحماية لها، لا لأسرتها كما يعرض الناقدون، حماية لها بقاعدتها الأسرية عند الخصومة مع زوجها أو مع أهله، وهي من يفترض أن تكون الأشد حرصا عليه من الولي نفسه .. ما سبق كان كلام الكاتب.

وكنت أمزح بالتأكيد في عندما سألني ابنه عن أكثر ما أعجبني في مؤلفات والده الدكتور .. ولكن .. لحظة لماذا أراكم تبتسمون الآن؟؟!!

Thursday, November 6, 2008

اللص والكلاب


 

أما اللص فهو بطل الرواية والراوي الذي نرى الأحداث بعينه، وهو لص قديم محترف دخل السجن لعدة سنوات بسبب وشاية وهو يتقن حرفة واحدة وهي السرقة وخرج وهو يتقن حرفتين: السرقة والخياطة، ولأن حرفة السرقة هي أقصر طريق لكي يؤسس حياة لائقة تكفي لكي يقنع القاضي بأنه قادر على استعادة ابنته من أنياب زوجته التي حصلت على الطلاق وهو في السجن وارتمت في أحضان صديق له، وهذا الصديق الأخير هو الذي يظنه بطل الرواية مصدر الوشاية به لضباط المباحث، لذلك فهو يكرهه وتغذى على هذه الكراهية في ظلام ليالي السجن وهو يحلم بوحشية بالانتقام منه ومن زوجته الخائنة!، وهو يرى أن هذا الصديق بعض من إحسانه، فهو الذي علمه الوقوف على قدميه بعد أن يتعلق في ساقيْ البطل كالكلب، وهو الذي جعل جامع الأعقاب هذا رجلا، والوصفان الأخيران ليس لي وإنما الراوي والبطل هو الذي قالهما لنفسه في لحظة خروجه من باب السجن، لتلك الأسباب قرر العودة مرة أخرى إلى مهنته الأولى وهي السرقة، وخاصة مع اقتناعه أنه لم يسقط في قبضة الشرطة إلا بسبب تلك الوشاية


إذن فهو يرغب في الانتقام الأعمى مِن الذين يظن أنهم السبب في دخوله السجن، زوجته السابقة وصديقها، وأحيانًا قد يرق قلبه ويفكر في مصير ابنته الصغيرة التي تعيش معهما، ولكنه لا ينشغل بذلك كثيرًا فهدفه هو قتلهما فقط، لذلك ذهب بلا وعي تام إلى شقة ذلك الصديق، ولكنه وجد عائق وهو أصدقاء ذلك الصديق وأعوانه، فراوغ وقال أن جاء ليرى أبنته التي كانت بمثابة النقاء بعد المطر كما يقول، ورآها بالفعل ولكنها لم تتعرف عليه وحاول احتضانها أو تقبيلها ولكنه لم يفلح تماما، وخافت وهربت منه، فهو قد أصبح رجل غريب لها.

فيترك ذلك المكان إلى الشارع إلى اللا مأوى، ويتذكر شيخ والده، ذلك الشيخ الكبير الوقور والذي يرأس حلقة صوفية، وله مريدين وأحباء، يأتون عند المغرب من أجل حلقات الذكر والإنشاد الصوفي، ولكن البطل هنا لم ينتفع بذلك الجو الإيماني ولم يفلح جو الشيخ النقي في إزالة احتقان الرغبة في الانتقام، ولا يوجد شك أن البطل يعتبر الشيخ ملجأ الأمان ولكنه لا يجد عنده الأمان الذي يريده وإن كان هذا الشيخ الصوفي هو الأمان نفسه كما يقول البطل.


ثم يقرر الذهاب إلى صديقه وشريكه وأستاذه في السرقة سابقًا، ولكنه يجده قد استقام وأصبح صحفي له شهرة واسعة وصاحب جريدة خاصة، فيزداد حقده عليه لأنه نفسه ذلك الشخص الذي كان يدافع عن الفقر والسرقة فيما سبق، ولكن البطل يقرر الذهاب إلى فيلته الفخمة المبهرة، وهناك يرفض أن يعطي له عمل محرر أو كاتب مقال في صحيفته الخاصة، فهو وإن كان السبب في جعل البطل قديما يحب القراءة والثقافة إلا أنه رأى في عينيه ومن فلتات لسانه أشباح الحقد والضغينة، فيكتفي بأن يضع في يده بعض المال.


وهذه المعاملة جعلت البطل يخرج من فيلا أستاذه الفخمة ممتلئ من الحقد والغضب، بعد أن زادت الرغبة أكثر وأكثر في العودة إلى السرقة، وسيبدأ بسرقة فيلا أستاذه هذه، عسى أن يغنم ولو محفظة نقوده التي أخرج منها هذا المال القليل الذي في يده، ولكنه لم يفلح في ذلك، وضبطه أستاذه في السرقة وهو يحاول سرقته، فاستعاد منه النقود التي وهبها له، وطلب منه قطع أي علاقة به، والخروج من منزله بلا عودة.



وبعد هذا يلجأ إلى صديق له صاحب مقهى، الذي يذكره بسيدة تعمل في مهنة الدعارة، والتي كانت تساعده قديما في السرقة عن طريق الإيقاع بزبائنها في فخ البطل، وهذه السيدة من كثرة معاملاتها في مهنة الدعارة سئمت وظمئت إلى عاطفة نبيلة مجردة من المادية، والبطل ساهم بغير وعي في ملء هذه الفجوة العاطفية التي كانت تحتاجها وهي تجتاز سلالم عمرها الثلاثيني.


ويطلب من صديقه صاحب المقهى مسدس، ويذهب في الليل إلى منزل زوجته الخائنة وصديقها،ويطلق النار، ويذهب إلى ملجأ الشيخ الصوفي وينام هناك، ليستيقظ متأخرًا ويعرف من الجريدة أنه تورط في قتل شخص بريء لا يعرفه، فزوجته وصديقها هربا منذ اليوم الأول من منزلهم إلى مقر آخر خوفًا من انتقامه الذي لم يفلح أبدًا في إخفائه في نظرة عينه المتوهجة غضبًا، فيغضب لأنه قتل بريئًا لم يقابله أبدًا، ويغضب أكثر لأن علم فيما بعد أنهما انتقلا مرة ثانية إلى مقر آخر غير معروف، بلا أمل في معرفة مكانهما وتحقيق حلم الانتقام.


ولكن الرغبة في الانتقام لم تنطفئ باختفائهما، وإنما تم تحويل مسارها وهي مندفعة نحو شريكه وأستاذه في السرقة، لعدة أسباب: للحقد تجاهه بسبب ثورته الضخمة وقصره الفخم، وبسبب تنكره لمبادئه التي قالها وهو شاب دفاعا عن الفقر مهنة السرقة، وأخيرًا بسبب هجوم جريدته المستمر عليه وإبراز الضوء على جرائمه السابقة حتى لقد أصبح حديث الشارع ونجم الصحافة، مما أدى إلى زيادة اهتمام الشرطة بأمره وكأنه القاتل الوحيد في العالم.


إذن فهو يريد شيئًا واحدًا، الانتقام فقط، وإن اختفى محور الانتقام الأول، فسيتجه إلى غيره!


فيذهب إلى فيلا أستاذه بغرض القتل هذه المرة، وهو متنكر بزي ضابط خاطه بنفسه من حرفته الثانية التي تعلمها في السجن ولم ينتفع منها إلا في تلك المهمة، ذهب إليه وأطلق النار!، ويذهب ليختبأ في منزل صديقته سيدة الدعارة، التي أحبته بعد أن وجدت فيه ما ينقص حياتها، وبادلها الشعور قليلا قليلا إلى  أن ملأت عليه كيانه كله، ذهب إليها واختبأ إلى الغد وحين قرأ الجرائد اكتشفت للمرة الثانية أنه قتل خادم أستاذه ولم يخدش أستاذه في السرقة بخدش واحد!، فيزداد حنقا وغضبا، وتزداد جريدة الأستاذ شراسة في الهجوم عليه وتنقيب ماضيه الأسود، ولتزيد أيضًا شراسة الشرطة في البحث عنها، فيظن البطل أن كل شخص يراه هو مخبر سري سرعان ما سيتعرف عليه ويقبض عليه.


ويحدث أن تتأخر السيدة، لسبب لا يعلمه، ويطول تأخرها، فتزداد شكوكه ويظن أن مكافأة الشرطة في القبض عليه قد غيرت قلبها نحوه!، ولكن لأن الحب تمكن منه طرد سريعا تلك الفكرة من تفكيره، ويزداد تأخرها فيخرج من مخبأه لديها، ويذهب مرة أخيرة إلى بيت الشيخ الصوفي، وينام ويستيقظ على آذان المغرب ومجيء المريدين ويسمع أصوات حلقة الذكر والإنشاد، ويعلم من صوت ما أن الحي كله محاصر، فيخرج ويلتجأ للمقابر، ويزداد هناك الخناق عليه، وتتبع الكلاب البوليسية المدربة رائحته من خلال بدلة الضابط التي خاطها ونسيها في منزل سيدة الدعارة، فيطلق عدة رصاصات بلا معنى أو هدف، ليشعر بعدها أنها النهاية، وأن شخصيات الانتقام أصبح لا وجود لها، فلا معنى الآن لأي موضوع أو وضع أو غاية، فيستسلم بلا مبالاة.



وهناك عدة رموز في الرواية:
بطل الرواية يرمز إلى طبيعة الإنسان، والشيخ الصوفي العجوز والفتاة الصغيرة قد يرمزان لضعف الجانب الطيب والوازع الديني، فالشيخ نصح البطل فقط في كلمات مبهمة وبسبب سيطرة الشيطان على عقله لم تستطع هذه الكلمات أن تمارس مفعولها، والصديق صاحب القهوة قد يرمز للشيطان المساند دائمًا لأعمال الإنسان الشريرة لأنه لم يكن يسانده بشكل فعلي وإنما كان يوفر له كل وسائل مساعدته على الانتقام، وسيدة الدعارة التي اختفت ربما تكون رمز مشاعر التوبة، فهي حركت مشاعر سامية نبيلة في قلب الإنسان، وهي أيضًا التي اختفت نهائيًا من حياته عند قتله للشخص البريء الثاني، مما يرمز إلى أنه قد وصل إلى قاع لا تنفع التوبة فيه، والزوجة السابقة وصديقها عوامل خارجية مؤثرة بذاتها بنسبة ضئيلة، والنسبة الباقية هي التي صنعها الإنسان بشروره ونفسه الأمّارة بالسوء.