Sunday, January 8, 2017

كتاب رخيص




هذا كتاب رخيص حقًا!، وهي ليست على اليقين معركة "أدبية"، بل محض استفزاز من الصحفي الناقد مؤلف هذا الكتاب، يتمثّل في مقدّمته الطويلة للحوار الأوّل في المنشور في المجلة، لأنها مقدمة طالت للغاية وهيّأت وضعًا وحالة خاصة لما يريد الصحفي الناقد قوله من فساد مذهب نزار قباني الشعري وترهّله، ثم وضع بعدها حواره مع نزار قباني بعد أن مهّد الطريق لإثبات ما يريد قوله أمام أمام ما حاول أن ينفيه نزار نفسه في الحوار!، لذلك كتب الأخير رسالة غاضبة إلى رئيس تحرير المجلة، بعد أن قرأ ما تعرّض له من خداع، لأن الصحفي الناقد لم يُعرض عليه المقدمة ولا نَص تفريغ الحوار، كما طلب منه نزار ذلك في البداية وقبل النشر حتّى، فكان مما قاله نزار لصاحب المجلة:

وواضح من تقديم الحوار بهذه الصورة الاستفزازية، أن مراسلكم يريد أن يلعب لعبة البطل حيث لا بطولة .. ولعبة الذكاء حيث لا ذكاء ..

وهذا كله كان من الممكن أن يتجنّب الصحفي الناقد توابعهما بالرد شخصيًا على رسالة نزار الوديّة التي أرسلها إليه من سويسرا، بدلاً من تجاهلها كليًا وكأنها لم تجيء كما قال، مما دفع نزار إلى القيام برد فعل غير محسوب ومراسلة رئيس تحرير المجلة ذاتها بهذه الرسالة الغاضبة المتسرّعة، وكان مما قاله فيها وهي الكلمة التي جلبت له كل سيل التنقّيص في هذا الكتاب والذي دارت أكثر الكلمات حولها، فهو عند حديثه عما جاء في تلك المقدمة المسمومة وعن أن الكاتب يريد أن يحقق بطولة لنفسه وأن يروّج اسمه بين الصحف والمجلات، ثم أغضبه أن يرميه الصحفي الناقد في مقدمته المطوّلة هذه (التي هي ضعف مساحة الحوار) بتهمة الشعوبية وكراهية جنس العرب وتحقيرهم ويسشهد بذلك بقصائد نزار، وهذا مما أغضب نزار حقًا فقال في رسالته لرئيس التحرير، أن هذا الشخص يقذف بتهمة الشعوبية ذات اليمين وذات اليسار، وقال أيضًا في سياق هذا في رسالته أنه حينئذ لا يتقبّل مثل هذا النصح من محرر أدبي:

لا يتورّع عن تغيير اسمه من "جوزيف" إلى "جهاد" .. ركوبًا لموجة الجهاد والمجاهدين، ولأنّ "عدة الشغل" تستلزم هذا التغيير

وهذا ما أثار طائفة واسعة من الكلمات الرخيصة ضد نزار وقف وراءها زملاء المهنة الصحافية، وأُتهم نزار فيها بأن قد سقط قناعه وظهر على طائفيته الممقوتة وحطّم بيده تاريخه الإنساني العام!، وذاك لأنّه عيّره باسمه "المسيحي" (!!) الذي غيّره لاسمه الحالي "جهاد" حين بدأ الكتابة في الصحف - رغم أن هذا كما هو واضح ليس معنى كلام نزار، فهو كان يقصد المفارقة الكامنة في توجيه الاتهام إليه بالشعوبية من قبل شخص اسمه ليس بعربي!، لم يقصد أن يلعب لعبة الطائفية هنا، ثم هل تعلمون كيف كان ردّ "جهاد" نفسه على هذا السطر؟!، وهذا من المضحك المبكي حقًا، فقد قال:

ليس ظاهرة شاذة أن يقع خيار قلم على اسم جهاد، بل الظاهرة الشاذة أن يختار لنفسه اسمًا من غياهب التاريخ المنقرض، مثل "أدونيس" أو "قدموس" أو من تجارب الشعوب الأخرى مثل "لينين"، فالأصل بنظرنا أن يختار الكاتب اسمًا أدبيًا، إذا شاء أن يكون له اسم أدبي، من تاريخ البلد وظروفه، لا من تاريخ وظروف بلد آخر


هذا مما يصدق فيه حقًا المثل الشعبي "جاء يكحلها فأعماها!" وتعريضًا رخيصًا بدوره لأدونيس، ثم وبين كل الكلمات الرخيصة الأخرى الكثيرة التي كيلت جزافًا ضد نزار قباني من الكثيرين في هذا الكتاب وكل كلمات "يا عيب الشوم" التي وُجّهت لنزار هنا، وكل الاتهامات السخيفة الأخرى (كانتحاله لشعر غيره ودفعه لمقابل ذلك، في قضية شهيرة قرأتها قديمًا وردّ عليها نزار حينذاك ردًا مفحمًا)، فلعلّ "أعقل" كلمة قيلت في هذه المعركة في ملحقات الكتاب، والتي لم تنحدر كالآخرين في هذا المستنقع الآسن، هي تعليق د. ميشال جحا، عن رأيه في هذه اللا معركة واللا نقد، وما قاله في نهاية تعليقه الجميل والمهذّب عمّا حدث بين الأثنين:

نحن مع الشاعر، ويجب ألا نسيء الظن به ولا بالناقد، ولكن لا يجوز أن أن يتحوّل هجاء الأمّة إلى هجاء شخصي بين الشاعر والناقد، أما الأسماء المستعارة فهي شيء معروف ومألوف عند الكتّاب والشعراء في الشرق والغرب، ..، وليست الأسماء هي المهمة، أما الضرر كل الضرر فهو "بالوجوه المستعارة"


بلى!، نحن مع الشاعر وقبل ذلك مع الشعر، والذي أضحكني حقًا هو المحاولة الثانية للصحفي الناقد لردّ دفاع نزار عن نجاح رسالة شعره باستقبال الجمهور الناجح له وهو يلقيه أمامهم في أمسية شعرية قاهرية اتسعت لخمسة آلاف مستمع "عربي" أخذتهم الحماسة حين إلقاءه الشعر، فهذا كان في رأي نزار مقياسًا ناجحًا أمام نظريات نقد الشعر ورسالة الشعر وإتهاماته بالشعوبية، فكان ردّ جهاد فاضل على هذه النقطة وعلى صفحات المجلة التي شهدت هذه الأحداث:

هذا النجاح بنظرنا قابل للتفسير، الجمهور يصفق أحيانًا لنزار دون أن يستوعب ما يلقيه عليه الشاعر، ففي اعتقاده أنه ينقل إليه ما لقيه مع ليلى وسوزان ودعد، ثم أن جمهور القاهرة متعطش لكل ما هو عربي، والجمهور لن يدقق في هذا الذي سمعه تلك الليلة من نزار، ولذلك ننتظر أن يكون لنزار استقبال جماهيري مختلف في المرة القادمة سواء في القاهرة أو سواها، ولكننا نذكّره بالمناسبة بما لقيه من فشل مهرجان المربد الشعري السادس عندما طلب فجأة أن يلقي شعرًا في أمسية كانت مخصصة للشاعر محمود درويش، وقد توقّع الجميع ليلتها، بعد الذي أصابه، أن يكف نهائيًا لا عن اعتلاء المنابر، بل عن قول الشعر أصلاً، ولكن الرجل ما زال يكابر ويراهن على الهجاء وغباء الآخرين


ألا، أنه مما يُحمد لنزار عدم تماديه في هذه الخصومة غير الشريفة، فكانت أوّل وآخر كلمة منه هي رسالته الآنفة إلى رئيس التحرير في بداية الأحداث، ولم يأت بعدها بجديد يتصل بهذه الخصومة، وأحسن بذلك في الابتعاد عن هذه "المعركة" التي أذكاها الصحفي كما ترون، ثم جمع أوراق معركته وطبعها في كتاب مكتنز الصفحات اختار له عنوانًا تحقيريًا مثل: "فتافيت شاعر"، ووضع صورة الشاعر ممزّقة على الغلاف

وكما قلتُ، هذا كتاب رخيص!

No comments: